السيد عبد الله الشبر
54
تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد
إن هذا لشيء عجاب ، لا يجد ليلة الوحشة زوجة تقربه ، ولا أنيسا يصحبه ، ولا ولدا يكلمه ، ولا خادما يخدمه ولا صاحبا ينادمه ، حتى إذا انصرف عنه المشيعون ورجع عنه المنفجعون ؛ وودعه الأهل والبنون والأخ الحنون ، أقعده للسؤال منكر ونكير ، وسألاه عن ربه هل هو به عارف خبير ، وعن دينه الذي اعتقده أي دين كان به يسير ، وهل هو بطريق معتقده يصير ، فيا ليت شعري هل ينطق بالصواب ؛ أم إذا سئل يفحم عن الجواب ؟ . فرحم اللّه امرأ أعد جوابا لمسألته ، ومهد مهادا لسلامة مهجته ، وباع دنياه بآخرته ، وتزود من دار رحلته لدار إقامته ، قبل أن يفتح عليه الموت بابه ، ويكشر عليه نابه ، وينشب فيه مخلابه ؛ ويجرعه من كئوس الغصص شرابه ، ويخرس لسانه ، ويعدم خطابه ، ويبعد عنه أهله وأحبابه وولده وأنسابه ، كما فرق بين سوالف الأمم الماضين ، وأباد الملوك والسلاطين ، وألحق الآخرين بالأولين ، وأخرجهم من بين الأهل والبنين ، وأسكنهم ضرائح المتقبرين ، وترك أبناءهم عليهم يبكون ، وآباءهم وأمهاتهم لفقدهم بالبكاء يضجون ، وأزواجهم لموتهم ينوحون ؛ وإخوانهم لمصيبتهم يندبون ؛ وديارهم بعد العمارة قد آلت إلى الخراب ، وقصورهم بعد النضارة قد مالت إلى الانقلاب ، ينعي بها البوم النعاب . فيا أهل العقول والأذهان ، ويا معشر الكهول والشبان ، كيف يفرح بالحياة من مصيره إلى الممات ؟ أم كيف يتهنى بالمعاش من يفارق الحياة ؛ ألا فإنكم ستشربون من هذا الكأس كما شربه من سبقكم من الأموات . وتقبرون بمقابر لا يوجد فيها إلا الظلمات ، وتضمنكم لحود هي أضيق الحفرات ؛ ويلحقكم عند النزع غلة « 1 » العطش والأوام ، وتغص أنفاسكم غصة الحمام ، وتمسك لهواتكم « 2 » عن الكلام كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى
--> ( 1 ) غلة العطش : شدته ، وقيل حرارته . ( 2 ) اللهوات بالتحريك جمع لهاة كحصاة ، وهي سقف الفم ، وقيل هي اللحمة الحمراء المتعلقة في أصل الحنك .